أحمد بن سهل البلخي
508
مصالح الأبدان والأنفس
النفسانيّة فإنّ الإنسان مدفوع في أكثر أوقاته إلى ما يتأذّى به منها ؛ إذ ليس يخلو في كافّة أحواله من استشعار غمّ أو غضب أو حزن ، وما أشبهها من الأعراض النفسانيّة ، إلا أنّه ليس قدر ما يصل منها إلى كلّ واحد من الناس قدرا واحدا ، فإنّهم مختلفون فيما يحصل إليهم من هذه الأعراض ، وذلك أنّ كلّا منهم إنّما يأخذ منها بحسب مزاجه ، وأصل تركيبه في القوّة والضعف ، فمنهم من يلفى سريع الغضب ، ومنهم من يلفى بطيء الغضب ، وكذلك منهم من يشتدّ خوفه وجزعه من الشيء الهائل ، ومنهم من يكون متجلّدا رابط الجأش . وكذلك توجد أحكام النساء والصبيان وأصحاب الطبائع الضعيفة مخالفة لأحكام الرجال الأقوياء الطبائع في قدر ما يخلص منها إلى كلّ منهم ؛ إلا أنّه لا بدّ أن يأخذ كلّ بحظّه منه ، قلّ ذلك فيه أو كثر منه ، واشتدّ عليه أو ضعف . ومن / أجل ذلك لا يستغني أحد من الناس عن تقديم العناية بمصالح الأنفس ، والاجتهاد فيما ينفي عنه ما يعتريه منها ، فيؤدّيه إلى القلق ، وتنغّص العيش . وتكون تلك الأعراض نظيرة الأمراض الجسمانيّة التي تعرض له فتؤلمه وتسقمه ، وتؤدّيه إلى الحالة المكروهة . 2 / 1 / 2 : على أنّ الكلام في هذا الباب أمر لم تجر عادة الأطبّاء بذكره وإيقاعه في الكتب التي كانوا يؤلّفونها في الطبّ ومصالح الأبدان ومعالجات العلل العارضة لها ؛ وذلك لأنّ القول ليس هو من جنس صناعتهم ، ولأنّ معالجات الأمراض النفسانيّة ليست من جنس ما يتعاطونه من الفصد وسقي الأدوية وما أشبههما من وجوه المعالجات ، غير أنّهم وإن لم يفعلوا ذلك ، ولم تجر العادة به منهم ، فإنّ إضافة تدبير مصالح الأنفس إلى تدبير مصالح الأبدان أمر صواب ، بل هو ممّا تمسّ الحاجة إليه / ، ويعظم الانتفاع ؛ لاشتباك أسباب الأبدان بأسباب الأنفس ، فإنّ الإنسان إنما قوامه بنفسه وبدنه ، وليس يتوهم له بقاء إلا باجتماعهما ، لتظهر منه الأفعال الإنسانيّة ، فهما يشتركان في الأحداث